الشيخ حسين الحلي
116
أصول الفقه
وحاصل المراد : أنّ من سبر الفقه يرى أنّ جملة من الأُمور الشرعية سواء كانت وضعية أو كانت تكليفية ، قد جعل الشارع لها روافع ترفعها بعد أن تحقّق جعلها في الشريعة ، كما في النكاح ورافعه الطلاق ، وكما في الطهارة من الحدث ورافعها هو الحدث ، وكما في كلّ حكم ورافعه الذي هو النسخ على ما عرفت . اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ جميع المجعولات الشرعية ليست إلّا اعتبارية من جانب الشارع ، خصوصاً بناءً على عدم جعل السببية كما حقّق في محلّه « 1 » ، فإنّه بناءً عليه لا تكون العلّة في تلك المجعولات إلّا جعل الشارع واعتباره ، فتكون تلك المجعولات معلولة لذلك الجعل الشرعي ، الذي هو الاعتبار الشرعي كما في الوضعيات ، أو نفس جعل التكليف كما في التكليفيات ، وليس محصّل رفعها أو جعل الرافع لها إلّا حدوث جعل آخر واعتبار آخر ، وتحقّق هذا الجعل والاعتبار الطارئ يكون عبارة أُخرى عن رفع اليد عن الجعل الأوّل أو الاعتبار الأوّل ، فعند التحقيق لا يكون ذلك المجعول أو المعتبر ثانياً رافعاً لما هو المجعول والمعتبر أوّلًا ، بل يكون نفس الجعل أو الاعتبار الثاني واقعاً في رتبة الجعل والاعتبار الأوّل في كونه موجباً لعدم تأثيره . وأمّا الرافع في باب الاستصحاب فهو مبني على الذوق العرفي ، المبني على أنّ ما يكون مانعاً من تأثير العلّة في الاستمرار يسمّى رافعاً ، وما يكون مانعاً من تأثيرها في أصل الوجود يسمّى دافعاً . ثمّ لا يخفى أنّ هذا الذي ذكرناه من الاعتبار الأوّل والاعتبار الثاني لا يصحّح كون الجعل الثاني من قبيل الدفع الحقيقي بالنسبة إلى الجعل الأوّل ، بل لا يكون إلّا من مجرّد رفع اليد عن الجعل والاعتبار الأوّل ، فلا يكون حينئذ من الدفع ، بل
--> ( 1 ) راجع الحاشية الآتية في المجلّد التاسع من هذا الكتاب ، الصفحة : 178 وما بعدها .